روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
105
المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )
وغيبا ، قال اللّه تعالى في علم اتيان الساعة : أَكادُ أُخْفِيها [ طه : 15 ] لأنّ علمها من جملة أسرار نفسه ، وتلك الغيوب السابقة في علومه الأوّليّة حيث لا معلوم ولا موجود ، فإشارة أسرار غيوب الأزليّة من حيث كان الحق ولا شيء معه . فكان مفرد الجميع أسباب الغيب من علمه وسرّه وغيبه قبل وجود الكون . قال اللّه تعالى : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [ النمل : 65 ] وقال تعالى : ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [ الكهف : 51 ] . وإنّما أشار علومه الخاصّة له - جلّ وعزّ - هي صرف الربوبيّة بنعت ابداع الخليقة . فهذه الأسرار والعلوم لم يطلعها نبيّ مرسل ولا ملك مقرّب . ثمّ إن اللّه تعالى يختص برحمته من يشاء من عباده بأسرار عجيبة ، ومكنونات لطيفة من غوامض علوم الغيب وغيب الغيب ، وله ودائع أسراره في قلوب أحبائه وكنوز أسراره في صدور أصفيائه ، لا يعلمها إلا هو . وذلك علامة ولاية العارفين وآيات زلفى الصديقين ، ومنها تزهّر قلوب البدلاء ، وتشرح صدور الأولياء ، وبها تكون فراسة النجباء ومكاشفات الخلفاء ومن ذلك أشرفوا على قلوب الخليقة ، واطلعوا على أسرار الآخرة . قال - عليه السلام : « احذروا فراسة المؤمن ، فإنّ المؤمن ينظر بنور الله » « 1 » ، والنور من أسرار اللّه تعالى . وذلك حقيقة إرشاد الحقّ لأرواح الروحانيّة ليستشرفوا على هموم الخلائق أجمعين . وروي عن أبي الحسين أخي الحسن البصري - رحمة اللّه عليهما - عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « للّه - عزّ وجلّ - صفوة من رتبته قسم لهم من حظوظ كل نفس ، فهم مشرفون على هموم الخلائق كلهم أجمعين ، وإنّ أبا بكر - رضي اللّه عنه - منهم » . ولكل كشف من مكاشفة أهل صفوة الحقّ سرّ لأهله ، والإخبار عن ذلك تعدّي وظلم لأن لله تعالى في قلوب أنبيائه وأوليائه وعلمائه وحكمائه من خصائص أسراره ما لا خطر على قلب الخلائق أجمعين . وذلك أمانات اللّه تعالى أودعها إلى خاصّة أحبته من النبيين والمرسلين والمقرّبين والعارفين . وأطلعهم على بعض مكنون أسراره ، وكشف لهم عن حقيقة سرّ خبره ، ونبّههم لخفيّ مكتوم أنبائه . فلم يطلقوا أن ينطقوا به عند غير أهله ، وأن يعبّروا به عن مشكلات دقائقه ورموز حقائقه على
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .